كلمــة السيـــد عميــد الكليـــة

بسم الله وكفى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى…
سُعدت كثيرا بالثقة التي منحتنيها رئيسة جامعة العربي بن مهيدي البروفيسور د/ حوبار فريدة، إذ نصبتني عميدا لكلية العلوم الاجتماعية والإنسانية يوم 26/09/2018، فآمل أن أكون إضافة إيجابية للكلية وللجامعة كَكُل، فعلى قدر ما يتشرف الإنسان بالمناصب النوعية والقيادية للثقة التي توضع فيه، على قدر ما يشعر بثقل وضغط المسؤولية الموكلة إليه، خاصة في التعليم العالي والبحث العلمي، لأن الهدف نبيل وسامي والمتمثل في صناعة العقل العلمي للإنسان الحضاري، الذي سيقود البلاد والعباد نحو تنمية شاملة، للقضاء على التخلف وممارساته، وأن أي خطأ في التصميم والبناء لهذا العقل سيؤدي حتما إلى صناعة إنسان “مشوه ومعاق” ليس جسديا، ولكن فكريا وحضاريا.
ولبلوغ هذا الهدف النبيل لابد من التضحية المستمرة، والأخذ بأسباب النجاح والقوة، القائمة أساسا على النقد الذاتي، ومراجعة طرق وأشكال التسيير وفق رؤية علمية دقيقة، تثمن وتفعِّل الموجود وتصنع وتبني المفقود، وذلك لرفع مستوى الأداء الإداري والبيداغوجي، الذي يطور طالب اليوم الذي سيصبح إطار الغد، لذا لابد من المراجعة المستمرة، لسدّ المنافذ التي يتسلل منها الضعف والوهن والوهم للتعليم العالي والبحث العلمي كل حسب موقعه.
الحديث عن الحضارة، يجرنا رأسا للحديث عن العلوم الاجتماعية والإنسانية الصانعة “لإنسانية الإنسان” و “لإنسان الحضارة” والرقيّ، فدونها لا يَعرف الإنسان نفسه، ولا أهدافه، ولا محيطه، ولا العلاقات والبُنيات التي تربط هذا المحيط بعضه ببعض.فغياب الرؤية الواضحة يجعلنا نعيش حياة التيه دون رشاد، دون رسالة، دون أهداف، دون مشروع فعّال للبناء، ببساطة يجعلنا نعيش حياة الرداءة والتخلف بجميع أبعاده وعلى كل المستويات.
لذا علينا صناعة “الإنسان الحلّ”،صانع الأمل وباني الأوطان،فبه نقضي على “الإنسان المشْكِل” الذي نعاني منه، والذي يجسد الرداءة والتخلف أينما ذهَبَ وحيثُما حَلَّ.وهنا تكمن جسارة وخطورةالمهمة الموكلة على عاتق العلوم الاجتماعية والإنسانية،إنها مكلفة بإحياء الأمة، وبعث طاقتها الكامنة، من خلال صناعة ” الإنسان الحيّ” الذي بصنع مخرجات حيّة.
يرى خبراء التسويق أن جودة المنتوج هي المعيار الأساسي لتسويقه وعرضه للمنافسة السوقية، وهي خاضعة لثلاث مراحل: مدخلات، تحولات، ومخرجات فجودة المنتوج أو ما يعبر عنه “بالمخرجات”، خاضعة هي الأخرى لمجموعة معايير ومقاييس علمية منضبطة، لا محاباة فيها لأحد، ولا يسمح فيهابالارتجال والسَبَهْلَلَة فهي قوانين “خافضة رافعة “.
كما يؤكد الخبراء أن قوة وجودة “المخرجات” ليست خاضعة بالضرورة لجودة وقوة المواد الأولية،والمعبّر عنها “بالمدخلات “، بل لقوة وجودة مرحلة أخرى، هي مرحلة ” التحولات ” – وهي أخطر حلقة في الموضوع -،فكلما كانت التحوّلات قويّة وفعّالة، كانت المخرجات رائعة وتنافسية، وكلما كانت ضعيفة (بدائية تخلفيّة) كانت المخرجات هزيلة رديئة، لا تصلح للعرض ناهيك للمنافسة.
وعالم الأفكار والأشخاص كعالم الأشياء يخضع لذات القانون والناموس، فكلما كانت التربية والتكوين على درجة عالية من الرصانة والدقة، كان نتاجها إنسان فعّال إيجابي، كالغيث أينما وقع نفع، وإن كانت مرحلة الإعداد والتربية والتكوين هزيلة، كان المنتج رديئا لايزيد شيئا على الدنيا، بل هو الزائد عليها.ومن هنا نكتشف أسرار العلوم الإنسانية والاجتماعية عبر تخصصاتها وعروض تكوينها، ومقاييس تدريسها في مختلف الأطوار والتخصصات ليسانس، ماستر،دكتوراه (LMD). فتخصصات العلوم الاجتماعية والإنسانية تدرس لنا الإنسان كوحدة مستقلة عبر مجموعة من العلوم كعلم النفس العيادي، وعلم الأرطوفونيا، وعلوم التربية وغيرها، كما تدرسه كمجموعة أفراد في المجتمع عبر العلوم الاجتماعية،بداية من العلوم الأنثروبولوجيا وعلوم التاريخ، وانتهاء بعلوم الإعلام والاتصال وغيرها.
وعليه فإني أطمح من خلال عمادة كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية إلى إيجاد التناغم بين مختلف لَبِنَات الأسرة الجامعية لتحقيق جملة من الأهداف الكبرى منها:
• رفع مستوى التكوين والأداء العلمي والبيداغوجي إلى الحدّ الأعلى، الذي ننافس به الكليات والجامعات الكبرى، وذلك من خلال تصفية الأجواء وصناعة جوّ علمي صحّي، تشعر فيه الأسرة الجامعية- طلبة وأساتذة وإداريين وعمالا-، بالأريحية والمتعة في أداء المهام المنوطة بكل واحد منهم، والقضاء على أجواء الفتنة والفرقة والاختلاف والصدام، والناتجة عن الفراغ والتنافس غير الشريف.
• دفع الكادر العلمي وترقيته نحو تحقيق النتائج العلمية المرجوة، كل حسب مستواه العلمي ودرجته الأكاديمية، وذلك بإتمام ومناقشة أطروحات الدكتوراه لمن لم يناقش، وكذا تأهيل المناقشين منهم إلى الرتب الأعلى، وهذا من شأنه رفع مستوى الأداء البيداغوجي، وتطبيق أهداف (ل م د)، الذي يشترط النوعية في التدريس من خلال كفاءات الأستاذ العالية.
• توفير أجواء المنافسة العلمية بين الأساتذة، من خلال تفعيل النشاطات العلمية والبيداغوجية، من أيام دراسية وملتقيات محلية ودولية، وفتح مخابر وفرق بحثية بصيغها المختلفة، وتنشيط حركة الطبع والنشر للبحوث، كل ذلك من شأنه ربط الأستاذ والباحث بالجامعة والبحث العلمي.
ختاما،آمل بالتعاون مع الأسرة الجامعية في كليتنا وجامعتنا أن نحقق بعض هذه الطموحات الكبرى، حتى نُعبِّد الطريق لمن سيأتي بعدنا، ليخطو خطوات جبارة نحو رفع مستوى البحث العلمي والأداء البيداغوجي، وإيصال الجامعة الجزائرية إلى المكانة اللائقة بها نظرا لما بين أيديها من إمكانات وقدرات.