L’oraison funèbre

       

    يقول ربنا جل وعلا﴿ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ (النحل 32)

       فسلام عليك أستاذي مكي ..

       وسلام عليك أستاذي الأخضر ..

  سلام عليكما وقد حييتما بالعلم، وسلام عليكما وقد توفاكما الموت وأنتما من أهل العلم، وسلام عليكما يوم تبعثان على منابر من النور والسرور بإذن الله ..فهنيئا ..

ما الفخــــر إلا لأهل العلم إنهم       على الهدى لمن استهدى أدلاء

وقدر كل امرئ ما كان يحسنه         والجاهـلون لأهل العـلم أعداء

فـفـز بعلم تعش حيـا ً به أبــدا        الناس موتى وأهل العلم أحياء

    سلام عليكما  طبتما…إن الموت لا يوجع الأموات بل إنه يوجع الأحياء، فقد كان يوم تأبين رحيلكما يوما مشهودا، حافلا تزاحمت فيه العبارات والعبرات، والمشاعر، واستذكار المواقف، والذكريات ممتزجة بالشجن، بمرارة الفقد وبكلمات الرثاء والوفاء ..

     لقد كانت أصبوحة الثامن من شهر جانفي من العام العشرين بعد الألفين  أصبوحة استثنائية مسروقة من عمريكما، أحالتها الذاكرة النازفة إلى لحظات خالدة أبدية، موهوبة للحياة، تسترد أنفاسكما، نبرتيكما، ملامح وجهيكما السمحة،  فتبعث حية من جديد في كل مرة …

      كانت تأبينية الرجلين برعاية خاصة من الأستاذ الدكتور زهير ديبـي مدير جامعة العربي بن مهيدي – أم البواقي، وبإشراف شخصي للدكتور شاكر لقمان عميد كلية الآداب واللغات، حيث أشرف على تأبينية الفقيدين، وقد كانت فكرتها بمبادرة شخصية منه، وتابعها حتى تجسدت ملحمة وفاء للرجلين وقعها الأبناء، والصحبة والرفقاء والخلان والطلاب والأسرة الجامعية…          

     كان الافتتاح بمداخلتي كل من مدير الجامعة، وعميد كلية الآداب واللغات كلمتين وقفتا على فداحة فقد الجامعة والكلية لعمودين رصينين من أعمدة العربية، الأدب العربي القديم ، والبلاغة العربية وعروضها. حيث وقع السيد مدير الجامعة والسيد عميد كلية الآداب واللغات شهادتهما على مكانة الرجلين.

     فيما بعد تم عرض شريط كرونولوجيا صور للفقيدين، اعتصرت الذاكرة لتضيء عتمات ما أطفأه الموت، حقا إن الموت ليطفئ الحياة، وإن الوفاء لعصا سحرية يحول الزمن المنفلت إلى لحظات أبدية تسترد مع كل فعل تذكر، فقد ألهب شريط  الصور مشاعر كل الحاضرين، وأرخى الجميع العنان لدموع مقلتيه…

   بعدها تداول على المنصة ثلة من أصدقاء الفقيدين والرفقاء والأصحاب والأحباب الطلاب من الأوفياء وأصحاب العهد الوثيق…، نسجل هاهنا بعض شهاداتهم .

    أ.د عبد الله بوخلخال (مدير جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الاسلامية سابقا) : وقد أبن منذ أيام الأستاذ عيكوس إلى مثواه الأخير ، وقد استذكر علاقته بالأستاذ التي تمتد إلى حوالى خمسين سنة ، وأوصى بضرورة الصبر والتجمل فلا حزن على الفقيدين إذ خلفا جيلا يحمل رسالتهما .

    أ.د عبد الله حمادي (أستاذ جامعة الإخوة منتوري – قسنطينة) :  استذكر الأستاذ حمادي الأيام التي جمعته بالأستاذ الأخضر عيكوس بعد عودته من اسبانيا، حين جاءه حاملا باقة ورود كان أول المهنئين  ثم عرج على عكوف الأستاذ عيكوس على نشر دراسات نقدية تناول فيها شعر الدكتور عبد الله حمادي عبر أعداد جريدة النصر، وذكر بامتنان شديد استماتة  دفاع الأستاذ عيكوس عليه وعلى قضيته.

    أما العلمي مكي فقد كان من طلابي سنة 1976، درسته مقياس الأدب الإسلامي، أمر غريب درست العلمي مكي ، ودرست ابنة العلمي مكي ، درست الوالد وابنته التي صارت أستاذة الآن، معروف بطيبته وبحبه للعلم والمعرفة .

     وانهى كلمته بتوصية وطلب موجه لكلية الآداب أن تولي أهمية كبيرة لكتابات الأخضر عيكوس  وأن تكلف طلبة الدراسات العليا بجمع كتاباته، وأطلب من العائلة  أن تتعاون ليبقى ذكره.

   أ.د عمار ويس  (أستاذ بجامعة الاخوة منتوري قسنطينة): الذاكرة تعود إلى ما يربو عن أربعين سنة حين التقيت بالعلمي مكي، وتتلمذت على يده الأدب الجاهلي والشعر الجاهلي.

   إن مكي العلمي ولخضر عيكوس قضيا حياتهما ممارسين فعلا لفعل التدريس، ومهنة التدريس، وباستمرار فاستحقا بذلك صفة الأستاذية.

   أ.د رابح طبجون ( مدير المدرسة العليا للأساتذة- قسنطينة) : عيكوس مكتشف المواهب، ويقدر الطلبة النابهين، ويأخذ يبد الطلبة المتعثرين.

     ذاكرا أمسيات الشعر مع بعض رفاقه من شعراء الزمن الجميل التي تشكل بحق رافدا من روافد الثقافة الجزائرية، كما أشار إلى إبداعه في التسيير، ذاكرا مرحلة الدراسات العليا التي تعبر عن صفاء طبعه وطيبة نفسه ….

   كشف طبجون أيضا عن وجه آخر للأخضر عيكوس وهو عزة النفس والكبرياء  وأنه من الأسماء التي 

 لا ينبغي أن تنسى في الجامعة أو في العطاء الشعري.

     أ-د باديس فوغالي( جامعة أم البواقي) :نحن مفجوعون بفقد قامتين هامتين علاقتي بعلمي المكي تعود إلى نهاية الثمانينات لا يبخل على أي طالب للعلم والمعرفة كان مكتبة متنقلة ، أما أستاذي  الدكتور عيكوس كنت طالبا لديه في مرحلة التدرج وما بعد التدرج ، وهو صديق صدوق وهو إلى جانب الاستاذية والكفاءة العالية في صمت دقيق ومدروس كان شاعرا متمسكا ومتماسكا بأصالته وبجذوره اللغوية .

    د.عبد الوهاب العمري (عميد كلية العلوم الاجتماعية ): أخذ يطوف حول معاني الآية الكريمة      ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ (البقرة-156)، مستحضرا خصال الفقيدين الذين رجعا إلى ربهما بحسن ما زرعاه، واستدل بجمهور الحاضرين من أهل العلم وطلبته شاهدين لهما بالفضل ، إنها العبرة تعبر من إلى ومن شدة حرارتها  أنها تنزل العبرة .

      وحاور الشيخ العمري قانون الاستحقاق كما اصطلح عليه  » فإن الرجلين استحقا مكانتهما جزاء    ما عاشا لأجله ، فقد رجعا إلى ربهما بحصائد العلم وبآثارهما التي خلفاها فينا « 

    أ.د ناصر لوحيشي (أستاذ المدرسة العليا للأساتذة- قسنطينة ) : عميد الدرس العروضي الشاعر اللطيف يقف معترفا بفضل  الأستاذ عيكوس  وممتنا له، قفد عرفه أستاذا كما عرفه من خلال جريدة النصر فتح آفاق العروض أمامه .

   أ.د زهيرة بولفوس ( جامعة الإخوة منتوري- قسنطينة)  الأستاذان لن أنساهما أبدا وذكرت موقفين تستمد منهما قوة والدافعية للعطاء  كلما ألم بها التعب، ونال منها الوصب  أما الأول  فللأستاذ عيكوس الذي جمعتها به مناقشة دكتوراه وقد نال منه المرض غير أنه أبى إلا الحضور  وقدم مداخلته واقفا. وأما الآخر فموقف للأستاذ مكي العلمي حين لقيته في أيام العطلة والجامعة مقفرة وطلب منها بطاقة المكتبة خاصتها ليستعير بها بعض الكتب من أجل نسخها

   نور الدين درويش: أامل أن نكون امتدادا طيبا لهما، أشهد أن الأستاذ  مكي يكفيه خصلة ليست في الآخرين أما الطيبة فهي مشتركة بينه وبين الآخرين، أما الأستاذية  وأما أنه ضحوك  ..أما الخصلة التي انفرد بها أنه لم يكن يسعى ليجمع مالا أو متاع الدنيا بل كان همه دائما إذا وقع كتاب بين يديه يستنسخه، دائما تراه  متأبطا رزمة من الأوراق .

وأما الأستاذ الأخضر عيكوس فقد كان ذا أفضال لا تعد من خلال جريدة النصر ومن خلال اتحاد الكتاب الجزائريين .

    أ. د محمد كعوان ( المدرسة العليا للأساتذة) : فتحدث باسمه الشخصي وباسم طلبة المدرسة العليا للأساتذة الذين يذكرون الأستاذ عيكوس بفضائله وفضائل مكتبة اليمامة.

   يذكر الأستاذ كعوان إذ كان وزملائه طلبة في ثمانينيات القرن الماضي حيث يتلقف الأستاذ عيكوس الطلبة الطموحين ويكتشف المواهب ويشجعها ، يصفه الأستاذ كعوان بالأب الروحي الذي غرس روح البحث العلمي في طلابه.

   ذاكر ومذكرا  ببعض خصاله الفاضلة التي لا نعرفها إذ درس محو الأمية ودرس عمال شركة سوناكوم وغيرهم وجاهد في سبيل تعليم العربية .

    أما الأستاذ العلمي مكي فيغرس حب الكتب في طلابه ، وكان يخفي لديهم بعضها، لم أرى في حياتي -يقول الأستاذ  كعوان- محبا للكتب مثل مكي العلمي

    أ-د ذياب قديد (أستاذ الإخوة منتوري – قسنطينة) : يؤرخ لبداية علاقته بالأستاذ مكي العلمي منذ 20اكتوبر 1983في دمشق ، يقول « حينما كنت طالبا صغيرا وكنت أبحث عن وطن يحميني في وطن ليس وطني حين ذلك أدركت علمي مكي احتضنني بأناقة وأصالة وطيبة خاطر ، حماني وزملائي لنكون متفرغين للعلم والمعرفة »

   « عرفته طوافا على المكتبات، كل الذين أعرفهم عادوا بسيارات إلى ارض الوطن إلا العلمي مكي عاد بأطنان من الكتب « 

    اختتمت المداخلات بمداخلة  أد العربي حمدوش: نحن نميل للراحة ، وهما يميلان إلى التعب ، لقد كان لخضر عيكوس يقول: » أنا ابن الشهيدين رسالتي أن تستمر العربية ، وأن تستمر هذه الروح وأن أقضي على هذه العجمة وتلك الرطانة » ، أما مكي العلمي فعرف بتلقائيته وقد كان محبا للشعر .

وأوصى الأستاذ حمدوش بأن علينا أن نصل بعضنا بعضا ونتعلم هذا الحب والتواصل قبل أن نفقد الأحبة وتلى بيتين لشوقي :

شَيَّعوا الشَمسَ وَمالوا بِضُحاها     وَاِنحَنى الشَرقُ عَلَيها فَبَكاها

لَيتَني في الرَكبِ لَمّا أَفَلَت            يوشَعٌ هَمَّت فَنادى فَثَناها

وآخرين  لعلي بن أبي طالب  (رضي الله عنه ):

شَيئانِ لَو بَكَتِ الدِماءَ عَلَيهِم  عينايَ حَتّى تَأذَنا بِذِهابِ

لَم تَبلُغِ المِعشارَ مِن حَقَّيهِما   فَقدُ الشَبابِ وَفُرقَةُ الأَحبابِ.

    اختتمت التأبينية بتكريم عائلتي الفقيدين ، شكرت الدكتورة أحلام العلمي شكرا طيبا كل القائمين على تأبينية الفقيدين ، وتدخل ابن الأستاذ الراحل   الأخضر عيكوس بالتضرع والدعاء بالرحمة والمغفرة  للراحلين .

إنا لله وإنا اليه راجعون.

إعداد: د.آمنة أمقران :قسم اللغة والأدب العربي .كلية الآداب واللغات